كيف يقوم "مركزي عدن" بتنفيذ المخططات الانفصالية

 كيف يقوم "مركزي عدن" بتنفيذ المخططات الانفصالية

عبدالناصر المودع

يعمل الاقتصاد بشكل أفضل حين يتحرك في بيئة لا تُـكبله بقيود تُخل من التفاعلات الطبيعية التي تؤدي إلى تطوره، وقد أطلق المنظر الأول للرأسمالية (أدم سميث) على هذه التفاعلات "اليد الخفية". وفي الكثير من التجارب، أدت القيود التي فرضتها الحكومات أو المؤسسات الرسمية كالبنوك المركزية، إلى كوارث اقتصادية. ويقدم لبنان في الوقت الحالي نموذجا حيا للتدخلات السيئة التي أدت إلى أوضاع اقتصادية كارثية في هذا البلد.

فنتيجة للاحتجاجات التي شهدها لبنان عام 2019، ارتفع الطلب على الدولار الأميركي الذي كانت قيمته تساوي 1500 ليرة لبنانية، وهو ما أدى إلى ارتفاع الدولار مقابل الليرة اللبنانية. وعلى أثر ذلك، اتخذ مصرف لبنان (البنك المركزي اللبناني) قرارات كارثية من قبيل: منع المودعين من سحب ودائعهم ، وتحديد سعر رسمي للدولار، لاستيراد بعض السلع، وغيرها من القرارات. وقد نتج عن ذلك، خلق حالة من الهلع، فالمودعون قرروا سحب ودائعهم من البنوك، ومن كانت لديه عملة لبنانية حولها إلى دولار أو أي عملة أخرى. وكانت النتيجة انهيار العملة اللبنانية، والجهاز المصرفي، ووصول البلد إلى حالة قريبة من الإفلاس والانهيار.

عندما اتخذ مصرف لبنان تلك القرارات الخرقا، كان الاحتياطي النقدي لدى مصرف لبنان (البنك المركزي اللبناني) من الذهب والعملات الأجنبية يقدر بـ 48 مليار دولار. وكان ذلك الاحتياطي يعتبر من الاحتياطيات الأعلى في العالم، كونه كان قادرا على تغطية قيمة الواردات اللبنانية لأكثر من 30 شهرا. وبالمقارنة مع الصين، فإن احتياطياتها من العملات الأجنبية لا تكفي وارداتها لأكثر من 13 شهرا، رغم أن الصين تمتلك أكبر احتياطي من النقد الأجنبي.

تلك الاحتياطيات الضخمة لمصرف لبنان كان يمكنها أن تحافظ على قيمة الليرة، أو تجعل حجم التراجع لا يتجاوز 10% في أسوأ الأحوال، لكن سياسات المصرف، التي كانت مزيجا من الفساد وسوء التقدير والغباء والاستهتار، أوصلت سعر الدولار إلى ما يقارب 100 ألف ليرة، وهو ما يعني تراجع قيمة الليرة بأكثر من 6000% من قيمتها.

في اليمن، منذ القرار الأخرق للرئيس الكارثة هادي، بنقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في صيف 2016، وحتى الآن، لم تكن احتياطيات البنك المركزي في عدن تزيد عن بضع مئات الملايين من الدولارات، وفي بعض الأحيان كانت هذه الاحتياطيات لا تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات، ورغم ذلك لم ينخفض ​​سعر الريال اليمني إلا بما يقارب 400% من قيمته.

ولا يرجع السبب في ذلك إلى الإدارة الحكيمة للبنك المركزي، بل إلى التدخل المحدود للبنك المركزي، حيث تُركت العملة اليمنية تتحرك بحرية حسب العرض والطلب. وكانت معظم تدخلات البنك المركزي المحدودة غير مفيدة وضارة في الغالب.

مؤخرا، وتحت ضغط من القوى الانفصالية المسيطرة على عدن، وما  تسمى زورا بـ”الحكومة الشرعية”، ومن أجل تهيئة عدن لتكون عاصمة للدولة الانفصالية المتخيلة، اتخذ البنك المركزي في عدن جملة من القرارات السيئة، من بينها مطالبة جميع البنوك بنقل مقراتها من العاصمة صنعاء إلى عدن. ومن شأن هذه القرار أن يؤدي إلى المزيد من الدمار للنظام المصرفي في اليمن، ومن ثم المزيد من التدهور الاقتصادي وتراجع قيمة الريال اليمني. فكل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية تجعل هذه البنوك غير قادرة على تنفيذ قرار النقل لأكثر من سبب أهمها:

أولاً: أغلب أنشطة هذه البنوك تتم في مناطق سيطرة الحوثيين، وبما أن الحوثيين يعارضون قرار نقل مقراتها الرئيسية إلى عدن، فقد يوقفون عمل هذه البنوك في هذه المناطق، وهذا الأمر قد يؤدي إلى إعلان إفلاس البنوك التي ستلتزم بالقرار. وسيؤدي  ذلك إلى أضرار جسيمة بألاف المودعين والمتعاملين مع هذه البنوك في كل الدولة.

ثانياً: عدن مدينة مُسخ من الناحية السياسية؛ فهي ليست العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية ولا هي عاصمة الدولة الانفصالية المتخيلة. وإجبار البنوك على نقل مقراتها إلى مدينة بهذه المواصفات، هو قرار خاطئ بكل المقاييس. فهذه المدينة تحكمها ميليشيات انفصالية بطريقة فوضوية، وتقوم بممارسات عنصرية، فعلية وضمنية، تجاه مواطني المحافظات الشمالية، كما أن مؤسسات إنفاذ القانون معطلة أو غير فعالة. وبما أن الأمر على هذا النحو، فإن "بنك عدن المركزي" لا يستطيع حماية هذه البنوك وموظفيها ولا  تنفيذ قراراته. ولذلك، لا يمكن للبنوك أو الموظفين القادمين من المحافظات الشمالية العمل في مثل هذه البيئة السيئة.

أكدت التجربة، في اليمن وغير اليمن، أن الاقتصاد في الدول الممزقة يعمل بشكل أفضل حين لا تكون هناك قيود أو اجراءات تنظيمية من قبل السلطات، التي تسيطر على بعض مناطق الدولة. فهذه القرارات، في هكذا بيئة، تمنع التفاعل الاقتصادي الطبيعي، وتخلق قيود وعراقيل تفاقم  التدهور الاقتصادي. وكما ذكرنا؛ فإن العملة اليمنية لم تنهار مثلما حدث في لبنان، أو سوريا وغيرها من الدول، خلال فترة الحرب، رغم ضعف الاقتصاد اليمني قياسا بتلك الدول، والسبب قلة القيود المفروضة من هذه السلطة أو تلك وليس العكس.

فطالما أن البلاد ممزقة سياسيا إلى كانتونات متحاربة، يديرها أمراء حرب مدعومون من الخارج؛ فمن المستحيل على أي مؤسسة أن تفرض سياساتها، خاصة في الجانب الاقتصادي. فإذا كان البنك المركزي في عدن، الذي يتحكم به الانفصاليون، غير قادر على حماية مقره من المليشيات الانفصالية، والتي أعتدت عليه أكثر من مرة، فليس له الحق بالادعاء بأنه الجهة الشرعية والرسمية المخولة بإدارة السياسة النقدية والمصرفية في اليمن. إضافة إلى ذلك هذا البنك غير قادر على فرض قراراته، وبالذات في المناطق، الخارجة عن سلطته. والأخطر من كل ذلك أن قرار نقل مقرات البنوك يأتي ضمن الخطط الخبيثة لتقوية المشروع الانفصالي وتدمير الاقتصاد والمؤسسات في المحافظات الشمالية.

ولهذا كله؛ فإن الإجراء الأسلم لهذا البنك هو عدم التدخل في الشئون الاقتصادية، إلا في الحدود الدنيا، لأن تدخلاته ستكون ضارة، وستزيد أوضاع الناس سوءا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدور الخارجي في حرب 1994

التقاضي الرسمي والعرفي في اليمن (دراسة)

العرف الحربي القبلي دراسة (أبريل 2016)