الأحد، 12 أكتوبر 2014

الدور الخارجي في حرب 1994

الدور الخارجي في حرب 1994
(دراسة نشرت في كتاب اليمن والعالم من إصدار مكتبة مدبولي مصر في 2001)

مقدمة


مع ازدياد ترابط مصالح الدول بعضها البعض ، وزيادة تأثير الأحداث الداخلية على مصالح أطراف خارجية ، أصبحت معظم المنازعات والحروب الأهلية تأخذ شكلا" من أشكال المنازعات الإقليمية والدولية .
فمعظم الحروب الأهلية ،القائمة حاليا"، آو التي حدثت في العقود القليلة الماضية ،كان للعوامل الخارجية دور مهم في اندلاعها وتحديد مسارها  ونتائجها . وفي بعض هذه الحروب وصل الأمر إلى حد مشاركة أطراف عسكرية خارجية فيها. كالحرب الأهلية اليمنية في الستينات ، والحرب اللبنانية ، والحرب الأفغانية والحرب الدائرة حاليا" في جمهورية الكنغو الديمقراطية (( زائير سابقا" )) . هذا التدخل الخارجي يودي عادة" إلى  زيادة تعقيد النزاعات ، حيث تختلط الأوراق وتشتبك المصالح والأهداف بين الأطراف الداخلية والخارجية إلى حد يصبح من الصعب معه  إيجاد حلول سريعة وحاسمة لهذه النزاعات ، حتى وان أصبحت هذه الحروب مدمرة وغير مجدية لإطراف النزاع المحليين ، الذين يجدون أنفسهم وقد تحولوا إلى أدوات لتنفيذ أدوار لأطراف خارجية ، غالبا" ، ما تكون لها اجندتها التي لا تتفق وأجندتهم ، والنتيجة أن  تتحول الدول موطن النزاع إلى ساحة قتال لإطراف خارجية متنافسة .
ولحسن الحظ فأن الحرب التي اندلعت في اليمن صيف 1994 ، ظلت إلى حد كبير حرب يمنية يمنية ، الأمر الذي ساعد على انتهائها بسرعة. على الرغم من أن التأثير الخارجي لم يكن غائبا" عنها تماما" إلا أنه لم يصل إلى حد المشاركة العسكرية المباشرة . هذا التأثير ونتائجه هو ما سنحاول تبينه في هذه الورقة مركزا" على أهم الأطراف الخارجية ذات العلاقة  وحجم وطبيعة الدور الذي قامت به والنتائج المتمخضة عنه . مع الوضع في الاعتبار أن هذه المهمة لن تكون سهلة لأسباب أهمها :-
1-  نقص المعلومات والوثائق المتوفرة حول الحرب لقصر الفترة الزمنية التي تفصلنا عنها . فحتى الآن لم تظهر كل الوثائق والمعلومات حول الدور الخارجي ، وما ظهر منها يفتقر إلى الدقة والموضوعية .
2-  في السياسة العربية هناك مشكلة أن الدول والحكومات لا تعلن عن مواقفها الحقيقية بشكل علني وواضح وتكتفي بإصدار البيانات والتصريحات العمومية  التي لا يستشف منها الموقف الحقيقي. وهو ما يجعل على الباحث مضطرا" للجوء إلى التكهن والحدس مما يودي إلى استنتاجات ذاتية وانطباعية إلى حد كبير .
3-  في الحرب اليمنية ، كانت البيانات والتصريحات الصادرة عن الدول الأخرى بحاجة إلى قراه خاصة تنسجم والظروف الملازمة لها . فبعض التصريحات تبدو للوهلة الأولى وكأنها تصريحات محايدة ولا تحمل موقفا" محددا" . غير أنها كانت تعتبر من وجهة نظر أحد الأطراف ، على الأقل ، ذات دلالات سياسية محددة . فمثلا" كانت مصر والإمارات قد اقترحتا قبل الحرب أن يتم فصل القوات وأعادتها إلى مواقعها السابقة قبل الوحدة ،هذه المقترحات نٌظر لها في صنعا بأنها تخدم مصلحة الطرف الآخر الساعي للانفصال . وبالمثل فان المواقف التي كانت تدعو إلى وقف إطلاق النار وإحلال  السلم كانت ، من وجهة نظر صنعاء أيضا" ، تعني الانحياز لصالح خصومها كون المعارك لا تسير في صالحهم وأي وقف لا إطلاق النار كان سيودي إلى توفير فسحة من الوقت تحسن من موقفهم القتالي . هذا التعقيد يحتم على أي باحث أن يفسر المواقف وفقا" للأحداث المصاحبة لها وليس للمعاني اللغوية . وهو ما يتطلب قراءة  لما بين السطور اكثر من قراءة السطور نفسها . مما يودي إلى قرأت مختلفة باختلاف مواقف واتجاهات الباحث .
4-  تأكيدا" لما سبق ، فان كاتب هذه السطور لا يخفي أنه كان يحمل موقفا" محددا" من الحرب   مما يجعل من التحليلات والاستنتاجات التي سيتوصل إليها  متأثرة بذلك الموقف ، حتى وأن رغب في غير ذلك لآن التحليلات والمعلومات التي ستدرس لا بد أن تمر بمصفاة داخلية يستحيل التخلص منها .
وفيما يلي نحاول استعراض مواقف وأدوار أهم الدول التي كان لها دور مؤثر في الحرب المعنية.
موقف المملكة العربية السعودية

كانت المملكة السعودية ،ولا زالت، تعتبر أن اليمن يشكل  جزءا" من مناطق نفوذها في المنطقة .  مما جعل المملكة حاضرة ومؤثرة  في معظم الأحداث الهامة التي شهدتها اليمن خلال الأربعين عاما" الماضية . وقد ساعد السعودية في لعب هذا الدور إمكاناتها المالية الضخمة ،قياسا" باليمن*، ورغبتها الشديدة في لعب دور خارجي نشط وفاعل . هذا بالإضافة إلى أن علاقات البلدين يعكرها أرث من النزاعات والحروب يرجع إلى بدايات  تكوينهما الحديث نتج عنه مشاكل حدودية مزمنة .

وفي الفترة التي سبقت الحرب ،كانت العلاقات السعودية اليمنية تشهد فترة من التوتر نتيجة لموقف اليمن من أزمة وحرب الخليج الثانية ، والذي اعتبرته السعودية معاديا لها ومواليا للعراق ، مما أنتج  تداعيات أدت إلى خروج نحو مليون يمني كانوا يعيشون في السعودية .
في ظل هذه الظروف كانت السعودية مهيأة ومستعدة للعب دور في أي صراع تشهده اليمن بغرض استعادة نفوذها التي فقدته في هذه البلد منذ تحقيق الوحدة اليمنية في عام 1990م **.       إذ أن قيام الوحدة أتى بدون رضا المملكة ورغبتها ولم تتمكن من منعها لأسباب دولية وإقليمية*** . ورغم كل ذلك فأن المملكة أبدت تأييدها العلني للوحدة .
وفي الوقت الذي كانت فيه الرياض تتحين الفرصة لاستعادة نفوذها القديم في اليمن ، أسعفها الحظ عندما تصاعد التوتر بين شركا الوحدة ووصول الآمر حد الحرب التي كانت ستودي بشكل عملي إلى إعادة حالة التشطير في اليمن . وهو الوضع الذي يعد مثاليا" بالنسبة للاستراتيجية السعودية  التي ترى أن نفوذها يزيد مع حالة الانقسام وما يصاحبه من توتر بين شطري اليمن، مما يجعل اليمنيين منشغلين ببعضهم البعض وغير قادرين على اتخاذ مواقف مستقلة أو معادية للسعودية . وهم في  نفس الوقت يحتاجون أطرافا" خارجية تدعمهم في هذه الصراعات ،  كما كان علية الحال في فترة ما قبل الوحدة . وقد عزز من هذه الاستراتيجية موقف اليمن من حرب الخليج الذي كان سيختلف لو أن اليمن كان لازال مشطرا".
ـــــــــــــــــــــــــــ
* يزيد الناتج القومي السعودي بأكثر من 30 ضعفا" حجم نظيره اليمني ، فقيمة الناتج القومي السعودي لعام 1998 كان في حدود 140 مليار دولار بينما لم يتعدى قيمة الناتج القومي اليمني ، لنفس العام ، 4.5 مليار دولار.    انضر ( ألا سكوا ) تقرير الحسابات القومية لعام 1998.
** تمتعت السعودية بنفوذ كبير في اليمن الشمالي السابق ، حيثُ تحالف البلدان في صراعاتهما ضد حكومة جنوب اليمن السابق ، وقد استفاد اليمن الشمالي من هذه العلاقة بالحصول على مساعدات سعودية ضخمة ،شملت كل المجالات ، وحصل موطنيها على امتيازات خاصة بهم في المملكة ألغيت بعد أزمة الخليج. وفي المقابل كانت السعودية تمارس نفوذ كبير على السياسة الداخلية والخارجية في اليمن الشمالي ، لكن هذا النفوذ  تضاءل بعد الوحدة وأصبحت اليمن تتعامل مع السعودية بندية واستقلالية ، وهو الأمر الذي تصاعد  وتحول إلى حالة من العداء بين البلدين مع أزمة الخليج .
*** أتت الوحدة بعد نهاية الحرب الباردة تماما" ، وبعد أن تخلى الاتحاد السوفيتي عن دعم اليمن الجنوبي حليفه في المنطقة ، وفي نفس الوقت كأن العراق في أوج قوته ولدى حكومته رغبة قوية في لعب دور كبير في المنطقة مما جعله يتبنى قضية الوحدة في اليمن ، وهو ما أدى بالسعودية إلى أن تمتنع عن القيام بمعارضة قوية لقيام الوحدة رغم أنها حاولت عرقلتها عبر حلفائها، آنذاك ،  في اليمن الشمالي ، من التيار الإسلامي والقبلي  الذين كأنواء قد أبدو معارضة للوحدة مع حكومة الجنوب .



لهذا لم يكن مفاجئا" أن تتخذ السعودية موقفا" مؤيدا" لانفصال الجنوب عن الشمال وأن تهيئ   نفسها لآن تكون الدولة التي ترعى وتتبنى  الدولة الجنوبية  التي كانت ستظل بحاجة للحماية السعودية في مواجهة دولة الشطر الآخر ، الأكبر من حيث عدد السكان ، والراغب في إعادة توحيدها معه .
وقد بدا الموقف السعودي بالظهور ، بشكل علني، عندما استقبل الملك فهد نائب رئيس مجلس الرئاسة ، آنذاك ، على سالم البيض بعد عودته من عمان التي وقع فيها وثيقة (العهد والاتفاق )* وقد كان لهذا الاستقبال دلالات على أن السعودية تدعم جناح البيض ضد جناح الرئيس صالح . وهو ما تأكد بعد ذلك عندما اندلعت الحرب وإعلان انفصال الجنوب الذي دعمته السعودية سياسيا" وعسكريا" وإعلاميا" حسبما سنرى فيما يلي :

الدعم المادي والعسكري السعودي :

من غير الممكن تحديد حجم وطبيعة الدعم المادي السعودي الذي قدم للحزب الاشتراكي ومن ثم للدولة الانفصالية فيما بعد ،  فما أنفقته المملكة في هذا الشأن  لم يتم الإعلان عنه ولا يمكن أن يظهر في الميزانية السعودية . فالأموال في هذه الظروف يتم تسليمها عبر قنوات سرية وبواسطة قنوات خاصة من الطرفين . ومن الوسائل التي تحدثت الأنباء عنها أن الأموال كان يتم تسليمها لرجال أعمال سعوديين من أصول يمنية عبر شخصيات نافذة في السعودية وهؤلاء يسلمونها للقادة الجنوبيين** وكأنها تبرعات خاصة منهم*** .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بعد اندلاع الأزمة السياسية في صيف 1993 اتفقت الأطراف المختلفة على تشكيل لجنة من جميع القوى السياسية لصياغة وثيقة سياسية تنهي تلك الأزمة وتسد الثغرات التي لم يعالجها دستور الوحدة . وقد تم بالفعل التوصل إلى هذه الوثيقة التي أسميت - وثيقة العهد والاتفاق - وتم الإعلان عن بنودها في 21-1- 94   ووقع عليها في العاصمة الأردنية ،  في 21-2-94،  كانت هذه الوثيقة قد اشتملت على بنود تعيد توزيع السلطة بين مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء لتعطي هذا الأخير سلطات اكبر مما منحه إياه الدستور كما أنها قد أعادت توزيع مهام وحجم الوحدات الإدارية للمناطق وخففت من المركزية الإدارية . غير أن هذه الوثيقة لم ترى النور . فبعد توقيعها بساعات اندلعت معارك محدودة بين وحدات عسكرية من الأطراف التي وقعت عليها ، وعاد نائب الرئيس إلى عدن ، عبر الرياض ، مما يعني أن الوثيقة لم تهدي من التوتر بل أنها عملت على تصعيده .
**من المشاكل التي تواجه الباحث اختيار المسميات التي تحمل دلالات سياسية معينه ، ومن هذه المسميات كلمة الجنوبيين والشماليين والتي تسمي أطراف الصراع . فهذه التسمية كانت معتمدة من قبل وسائل الأعلام الخارجية وكانت مرفوضة من قبل الحكومة في صنعاء التي تعتبر هذا الوصف غير حقيقي ومنحاز للطرف الأخر. فلحرب من وجهة نضرها تمت بين أغلبية الشعب اليمني بما فيهم سكان الجنوب وبين فئة قليلة من قادة الحزب الاشتراكي شماليين وجنوبيين . وعلى كلا" فأنني مضطر لاستخدام هذه المسميات بالنضر إلى عدم وجود مسميات أكثر حيادية منها .
***  في مقابلة حديثة مع حيد ر العطاس – رئيس وزراء حكومة الجنوب الانفصالية – أعادت  نشرها صحيفة  الثوري بتاريخ 6-4-2000 ، نفى  أن تكون حكومته قد تلقت أية أموال من الخارج اثنا الحرب وقال أن الأموال التي حصلوا عليها كانت تأتي من يمنيين مغتربين في الخارج ، وهو ما يُرجح صدق المعلومات التي تحدثت عن أن دول الخليج كانت تقدم الأموال عبر مغتربين يمنيين .




هذه الطريقة، أن كانت صحيحة ، ساعدت السعودية في نفي تهمة التورط المباشر في النزاع اليمني  * .
وبغض النظر عن الطريقة التي كانت السعودية تمول بها الجنوبيين ،فالأكيد هو أن السعودية قد قدمت أموالا" للجنوبيين مكنتهم من شرا أسلحة حديثة وغالية الثمن لم يكن بإمكانهم أن يشتروها من مواردهم الذاتية . مثل طائرات الميج 29 الروسية الصنع والمدافع  ذاتية الحركة وغيرها من الأسلحة التي استخدمت اثنا الحرب ولم تكن من ضمن أسلحة الجيش الجنوبي قبل الوحدة .
وبالإضافة آلي ذلك فأن السعودية قد قامت بإرسال وتجهيز  قوات يمنية جنوبية كانت قد شكلتها من الجنوبيين المعارضين لحكومة الجنوب السابقة تسمي بقوات السلام .هذه القوات، التي لم يكن عدد أفرادها يزيد عن بضعة آلاف ،  أرسلتها الرياض اثنا المعارك ، لتحارب بجانب خصومها السابقين، و لكن لم يسجل لهذه القوات أي مشاركة فعلية في الحرب  .

الدعم السياسي :

لم تقدم السعودية أي دعم علني للحزب الاشتراكي في بداية الحرب، غير أن هذا الوضع تغير بعد إعلان الانفصال في 21-5-1994 . فبعد هذا التاريخ تحركت السعودية ، إقليميا" ودوليا"، بدبلوماسية نشطه لتبني قضية الدولة الجنوبية المعلنة ، وركزت بشكل أساسي على الأمم المتحدة . ففي 25-5-94 قام الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية في واشنطن بتحركات داخل مجلس الآمن التابع للأمم المتحدة** بغرض استصدار قرار من مجلس الآمن حول اليمن وكانت السعودية ترغب في أن يصدر قرار عن المجلس  يودي إلى إيقاف الحرب والى إضفاء شكل من أشكال الشرعية الدولية على الدولة الجنوبية ***. وبعد مداولات بين الدول الأعضاء اصدر مجلس الآمن قرار حمل الرقم 921 طالب بوقف الحرب إلا أنه لم يصل إلى الحد التي كانت تريده السعودية ،لكن وفي كل الأحوال يمكن القول أن هذا القرار لم يكن ليتم لولا التحرك السعودي .
وفي موازاة ذلك، تحركت السعودية داخل مجلس التعاون الخليجي الذي اصدر بيان بعد اجتماع وزرا خارجية دوله في مدينة أبها السعودية ،القريبة من الحدود اليمنية، واشتمل هذا على فقرات توحي بما يشبه الاعتراف الضمني بالدولة المعلنة في جنوب اليمن ****.
وبل إضافة إلى تلك التحركات فأن السعودية لم تدخر وسعا" في التأثير على مواقف الدول الأخرى لصالح موقفها فيما يتعلق بما كان يجري في اليمن مستفيدة من علاقاتها الدولية الواسعة خاصة مع الدول الكبرى التي قام بزيارتها وزير خارجية المملكة آنذاك  لهذا الغرض اثنا الحرب*****.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نفت السعودية في بيان لها بتاريخ 13-6-94 أي تورط لها في النزاع اليمني  وكان هذا البيان  هو الأول من نوعه  في هذا الشأن . أنظر نص البيان في جريدة  الحياة اللندنية  ص 6 بتاريخ 14-6-1994.
** انظر جريدة الحياة اللندنية  بتاريخ 26-5-94 ص1.
*** كان النص السعودي المقترح يرغب في أن تكون قرارات المجلس اكثر إلزامية ولم يكن  يشير إلى  وحدة اليمن .جريدة الحياة اللندنية  تاريخ  27-5-94.
**** جريدة الحياة اللندنية   تاريخ  6-6- 94.
***** قام الأمير سعود الفيصل بزيارة لكلا" من لندن وباريس في فترة الحرب نضر لها على أنها تهدف إلى دعم هاتين الدولتين لموقف السعودية مما كان يجري في اليمن . جريدة الحياة اللندنية تاريخ 22-6-1994


الدعم الإعلامي :
تمتلك السعودية مؤسسات إعلامية تعد الأكبر حجما" وتأثيرا" على المستوى العربي وبالذات تلك التي تمارس نشاطها في الخارج *. وخلال الحرب استغلت السعودية هذه الوسائل في تغطية الحرب من المنظور الذي يخدم مصالحها واستطاعت بسبب تلك الإمكانيات من أن تحتكر وتتحكم في الأخبار عبر الرسائل الإعلامية التي كانت تنقلها من اليمن .وقد كان تلفزيون (mbc) التابع لها هو التلفزيون الوحيد الذي كان يمتلك فريق عمل كامل متواجد في عدن ظل يبعث برسائل يومية طوال فترة الحرب ، كان بعضها يفتقد إلى الدقة والموضوعية **  وتعكس وجهة نضر القيادة الجنوبية عن سير المعارك واستطاعت أن تؤثر بشكل كبير على الرأي العام المحلي والدولي لصالح قضية الجنوب . وبالذات تلك الرسائل التي كانت تنقل معاناة السكان المدنيين  بعد انقطاع المياه والكهربا عن مدينة عدن قبل نهاية الحرب . وقد زاد من تأثير تلك الرسائل قيام تلفزيونات العالم بإعادة بث ما كانت ترسله تلك القناة لعدم وجود فرق إعلاميه  أخرى خاصة بها في عدن .

الموقف المصري :

قبل اندلاع الحرب بفترة كانت العلاقات اليمنية المصرية قد شابها الفتور نتيجة للموقف اليمني من حرب الخليج الثانية . يضاف إلى ذلك، الاتهامات التي كانت مصر توجهها للحكومة اليمنية بتوفير ملجأ"  للإسلاميين المصريين، الذين كانوا يشنون أعمال عنف في مصر في تلك الفترة . وكانت الحكومة المصرية تطالب السلطات اليمنية بتسليمهم ،ولكن الحكومة اليمنية، بقيادة الرئيس صالح ، كانت تنفي وجود مثل تلك الجماعات في أراضيها . بينما كان شريكها المنافس ( الحزب الاشتراكي ) يؤكد وجود هذه الجماعات ، وقد تردد أن محافظ عدن ، في فترة ما قبل الحرب ، وهو من الحزب الاشتراكي ، قد قدم للمصرين معلومات تفيد بوجود جماعات مصرية تحت رعاية حزب الإصلاح ، حليف الرئيس صالح ، وبصرف النظر عن صحة ذلك أم لا فالمهم أن هذه القضية قد زادت من تردي العلاقة بين الرئيس صالح والحكومة المصرية وقوى من علاقة مصر بخصومة في الحزب الاشتراكي . وهو ما أنعكس على موقف مصر من الصراع في اليمن . فقبل الحرب تقدمت مصر ، في مبادرة مشتركة مع الإمارات ، بمقترحات لتخفيف التوتر بين الفرقاء تضمنت فصل القوات بإعادتها إلى وضعيتها السابقة للوحدة . هذه المبادرة رفضت من جانب صنعاء التي اعتبرت أنها تخدم عملية الانفصال . ومع اندلاع الحرب اتخذت مصر موقف لصالح الجنوبيين التي رأت فيه انه لا يجب فرض الوحدة عليهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تمتلك مؤسسات وأشخاص سعوديون، مقربون من الأسرة الحاكمة في السعودية ، مؤسسات إعلامية ضخمة تعد من اضخم المؤسسات على المستوى العربي وتمارس نشاطها في الخارج خاصة تلك الموجودة في العاصمة البريطانية ، مثل تلفزيون  mbc   وجريدة الحياة والشرق الأوسط ومجلتي المجلة والوسط .
** كان تلفزيون( mbc   ) يرسل تقارير ا" من عدن يدعي أنها من مناطق تسيطر عليها القوات الجنوبية ، فيما كان من المعروف حينها أن تلك المناطق قد وقعت تحت سيطرة قوات صنعاء ، كما حدث في اكثر من مره عندما بث تلفزيون (mbc ) تقارير مصوره أدعى أنها من قاعدة العند تبين فيما بعد أنها صورت في مناطق أخرى يضاف إلى ذلك أن تلفزيون        mbc  كان يركز بشكل أساسي على نقل معاناة السكان المدنيين بتصوير مشاهد مختارة بعناية لاستدرار العطف ضد سلطة صنعاء في بعض تلك المشاهد ظهر نائب رئيس الدولة المعلنة عبد الرحمن الجفري وهو يشرف بنفسه على اختيار أماكن التصوير .






بالقوة  وأعتبر الرئيس المصري دخول عدن بمثابة احتلال   * . إلا أن الموقف المصري لم يصل إلى حد الاعتراف بالحكومة الجنوبية ، ولم يسجل على مصر أنها قدمت أي مساعدة مادية للجنوب . واكثر ما قدمته مصر كان الدعم الإعلامي  والسياسي . رغم أن الحكومة المصرية لم تقطع اتصالاتها بالحكومة في صنعاء طوال فترة الحرب .

مواقف دول الخليج :
كانت دولة قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي أيدت الحكومة في صنعاء . فكل التصريحات القطرية خلال فترة الحرب كانت تؤكد دعمها للوحدة والحكومة الشرعية في صنعاء ، كما أن قطر كانت تتخذ مواقف مغايرة لمواقف دول الخليج الأخرى في داخل مجلس التعاون فيما يتعلق باليمن ، فقد تحفظت على الفقرات الخاصة باليمن في البيان الصادر عن الاجتماع المشار أليه سابقا" لوزراء خارجية المجلس ، الذي انعقد في السعودية اثنا الحرب .** كما أنها مارست نفس السياسة في اجتماعات وزرا خارجية دول(( إعلان دمشق  )) الذي انعقد في الكويت قبل نهاية الحرب  .
إضافة إلى تلك المواقف السياسية ، فقد ترددت أنبا عن أن قطر قدمت مساعدات مالية للحكومة في صنعا، ومواد بترولية كانت في أمس الحاجة إليها بعد أن انقطعت إمدادات النفط الواردة من مصفاة عدن . كما أن الإعلام القطري كان قد وفر نافذة إعلامية مهمة لصنعاء عبر تلفزيون قطر الحكومي ، الذي كأن يُلتقط في مناطق كثيرة في الخليج ،وكان التلفزيون القطري هو الوحيد الذي امتلك فريق كامل ، طوال فترة الحرب ، ظل يرسل تقاريره من صنعاء .
ويمكن فهم الموقف القطري على خلفية التوتر في العلاقات بين الدوحة والرياض ،الناتج عن نزاع حدودي بينهما . مما أدى بقطر إلى تطوير علاقاتها بالدول التي كانت على خلاف مع السعودية مثل إيران والعراق واليمن .

الموقف الإماراتي :

كان الموقف الإماراتي هو الاكثر اثارة ومفاجاة للمراقبين ،فالعلاقات بين الحكومة الإماراتية والرئيس صالح كانت جيدة بشكل عام كما أن الإمارات ، خلال تاريخها القصير، لم تكن تتورط في النزاعات العربية العربية الآمر الذي اختلف في النزاع اليمني حينما اتخذت موقفا" مال لصالح الجنوبيين الذين حصلوا من الإمارات على دعم سياسي ومادي وأعلامي  فقد تعامل الإعلام الإماراتي الرسمي  بما يشبه حالة الاعتراف بالدولة المنفصلة عندما كان يصف  علي سالم البيض بالرئيس*** وهو وصف انفرد به عن سائر وسائل الإعلام الأخرى بما فيها الخليجية . كما أن الإمارات وفرت للقادة الجنوبيين مقرا" في أراضيها ،خلال فترة الحرب .
ويمكن تفسير الموقف الإماراتي بكونه رد فعل شخصي من قبل رئيسها الشيخ زايد بن سلطان  التي رفض الرئيس صالح مبادرات كان قد تقدم بها .  وعليه لا يمكن اعتبار الموقف الإماراتي استراتيجية واضحة ومخطط لها بقصد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في مقابلة مع إذاعة مونتيكالرو قال الرئيس المصري أن دخول عدن يعتبر احتلال . جريدة الحياة اللندنية تاريخ 14-5-1994 .
** جريدة الحياة اللندنية تاريخ 6-6-1994.
*** بدا الأعلام الإماراتي الرسمي يطلق تسمية فخامة الرئيس على علي سالم البض من تاريخ 24 –5-1994 بعد إعلان الانفصال . جريدة الحياة اللندنية تاريخ 25-5-1994 .


موقف عمان :

شاركت عُمان في جهود الوساطة التي كانت تبذل من دول عديدة ، اثنا الأزمة السياسية التي سبقت الحرب ، واحتضنت قمة جمعت بين الرئيس صالح ونائبة البيض في عُمان قبل الحرب بشهر بغرض مصالحتهما ببعض ، وبشكل عام فقد كانت عُمان وسيط مقبول من الطرفين خلال فترة الأزمة ، مما جعلها تشترك في اللجان العسكرية التي شكلت قبل الحرب .
ورغم أن مسقط لم تكن تدلي بتصريحات كثيرة حول ما كان يجري في اليمن ، وهي السمة التي تغلب على السياسة الخارجية الُعمانية بشكل عام ، إلا أنه يمكن أن يُستشف الموقف العُماني من خلال الوقائع التالية :
أولا" موافقة عمان على كل قرارات مجلس التعاون ومؤتمر وزرا خارجية إعلان دمشق التي كانت في صالح الجنوبيين .

ثانيا" موقف عمان داخل مجلس الآمن ، الذي كانت تشغل مقعد غير دائم فيه في فترة الحرب، والذي استفادت منه ،  وبالتنسيق مع السعودية ،  من اجل استصدار قرارات من مجلس الآمن حول اليمن لم تكن في صالح الشمال  .
ثالثا". سمحت عمان لرجل الأعمال العماني - اليمني الأصل - احمد بن فريد الصريمة بالمشاركة في الحرب إلى جانب الدولة الجنوبية*، والمعروف أن الصريمة تربطه علاقات قوية بالأسرة الحاكمة العمانية ولم يكن بإمكانه أن يشارك في الحرب دون رغبتها .
هذه المؤشرات تؤكد أن عمان قد اتخذت موقف مؤيد للجنوبيين ، وأن كان لا يعرف بالضبط حجم ونوعية هذا التأييد ، والأكثر احتمالا" أن عُمان قد قدمت مساعدات مادية غير عسكرية وسمحت للجنوبيين باستخدام أراضيها لمرور الإمدادات .
أما عن الأسباب التي دعت مسقط لاتخاذ ذلك الموقف فأن من المرجح أن تكون الحكومة العُمانية قد رأت أن احتمالية انفصال الجنوب عالية ، وبالتالي فأن من مصلحتها أن توثق علاقاتها بجارتها الغربية في تلك الظروف كي تضمن لها نفوذا" من وقت مبكر . كما أن عُمان قد استحسنت أن تكون جارتها دولة صغيرة وقليلة السكان عوضا" عن الدولة اليمنية بشطريها .
وعلى كلا" فأن الحكومة العمانية قد كيفت موقفها بسرعة ،مع الأوضاع الجديدة، عقب انتهاء الحرب مباشرة". فقامت بإرسال مسئولين إلى صنعاء من اجل ترميم العلاقات التي تضررت أثناء الحرب  . وقامت بإعادة  كل الأسلحة والمعدات التي فر بها القادة الجنوبيون ومرافقيهم ، وتعهدت بمنع هولا القادة من ممارسة أي نشاط سياسي في أراضيها **. وأبان كل ذلك رغبة عُمانية لتحسين العلاقات مع صنعاء التي كانت في اشد الحاجة إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* ينتمي أبن الصريمة إلى سلاطين من منطقة شبوه فر إلى عُمان بعد استقلال جنوب اليمن عام 1967م وظل فيها حتى حرب 94 عندما عاد إلى اليمن ، وعين محافظ لمحافظة شبوه بعد أن سقطت في أيدي القوات الموالية لصنعاء . ولم يسجل للصريمة أي مشاركة فاعلة في الحرب . وقد عاد إلى عُمان بعد الحرب ،  وحاليا" لديه علاقات مع الحكومة اليمنية مكنته من الحصول على بعض المناقصات لتنفيذ مشاريع طرق في اليمن .
** جريدة الحياة اللندنية تاريخ 13-7-1994م .






الموقف الكويتي :

يُصنف الموقف الكويتي بأنه كان موقف ثأري اتخُذ كرد على موقف اليمن خلال احتلال العراق للكويت ، والذي اعتبرته الكويت معاديا" لها . هذا الموقف جعل الكويت متعاطفة مع الزعماء الجنوبيين ، الذين تقربوا إليها  بتنصلهم من موقف الحكومة اليمنية من قضية الكويت معتبرين أن الرئيس صالح مسئول عن ذلك الموقف . وسوءا" كان ادعائهم صحيحا" أم لا فأن الحكومة الكويتية قد رأت أن الطرف الشمالي هو المتسبب في ذلك الموقف ، وهو ما استدعاها إلى اتخاذ موقف معادي له . فأعلنت  تعاطفها مع الجنوبيين ووصل الأمر إلى حد تهديد وزير خارجيتها  بأن بلادة ستعترف بالدولة الجنوبية *.
لكن باستثناء تلك التصريحات فلا يعرف حجم وطبيعة الدعم الكويتي للجنوبيين في الحرب . غير أنه يجب الإشارة إلى أن الزعماء الجنوبيين قد أعلنوا عن خيبة أملهم في ذلك الدعم عندما أشار البيض، بشكل غير مباشر،  في أحد التصريحات التي أعلنها أيام الحرب عندما قال أن بعض الدول لم تف بتعهداتها التي وعدت أنها ستقدمها له ، وقيل أنه كان يقصد الكويت .
هذا الموقف من الكويت يتناقض ومواقفها السابقة تجاه اليمن قبل الغزو العراقي عام 1990 فقد عُرف عنها دعمها ومساندتها لشطري اليمن ، وتأييدها لجهود توحيده . مما يجعل موقفها من الحرب في اليمن نتيجة للموقف اليمني من حرب الخليج ورد فعل علية اكثر من كونه موقف استراتيجي .

موقف الدول الأخرى في المنطقة :

قبل أن نختم هذا الجزء لا بد من الإشارة إلى أن هناك دول في المنطقة قد حددت موقفها من حرب اليمن بوضوح إلا أن دورها كان محدود . نذكر منها  الأردن والعراق وليبيا وإيران والسودان وإريتريا ، فهذه الدول ساندت الوحدة ودعمت الشمال غير أن هذا الدعم ظل محدودا" بسبب الإمكانات الشحيحة لهذه الدول التي كان البعض منها يعاني  من عزلة وتفرض علية عقوبات دولية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* أعلن وزير خارجية الكويت بأن بلادة تتشاور مع دول المجلس ودول أخرى في مسالة الاعتراف بدولة الجنوب وأنها ستثير هذا الأمر في مجلس الأمن . جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 8-6-1994م.






 









الدول الكبرى والحرب

أولا": موقف الولايات المتحدة :

في أثناء الأزمة السياسية التي سبقت الحرب ، كانت الولايات المتحدة قد بلورت موقفها تجاه اليمن من خلال البيانات التي كانت تصدر عن الحكومة الأمريكية ، وكذلك من خلال اتصالاتها بأطراف الأزمة ، كان كلا" منهم حريص  على معرفة الموقف الأمريكي واستمالته ، أن أمكن ، لصالحه . وساهمت الولايات المتحدة ،عبر سفارتها في صنعاء، في جهود الوساطة التي كانت تبذل، من جهات عديدة لتخفيف التوتر . ولهذا شارك الملحق العسكري الأمريكي في اللجان الأمنية التي كانت تقوم بمراقبة التحركات العسكرية لطرفي الأزمة .
ونظرا" لأهمية موقف الولايات المتحدة ،فأن أطراف النزاع راحت تستميل الأمريكان لجانبها . فالحزب الاشتراكي استخدم قضية العلاقة بين حزب الإصلاح والرئيس صالح لتخويف الأمريكان من خطر هذه العلاقة على مصالحهم في المنطقة ، بينما كان الطرف الأخر يذكر الأمريكان بماضي الحزب الاشتراكي في معاداته للمصالح الأمريكية ، كما أن الأطراف المعتدلة داخل المؤتمر الشعبي استخدمت ورقة الإسلاميين في صالحها عبر التلويح بخطورتها على نظام الحكم في صنعاء في حال هزيمته أمام الحزب الاشتراكي . وعلى ضؤ ذلك فأن الحكومة الأمريكية حددت موقفها وفقا" للأسس التالية :
1-  أن الوحدة اليمنية عامل استقرار في اليمن وبالتالي المنطقة ، وأن الانفصال ،أن حدث ، فأنه سيكون عن طريق الحرب . التي ستخلق مشاكل من عدم الاستقرار في المنطقة ،التي تعتبر حساسة للمصالح الأمريكية .
2-  في حال، أعيد تقسيم اليمن ، فأن هذا الوضع سيخلق حالة من عدم التوازن بين دولتي اليمن تكون سببا" لحالة من عدم الاستقرار الدائم في المنطقة .
3-  ا أرتبط إعلان الديمقراطية التعددية بالوحدة لهذا فأن هناك خشية أمريكية  من أن يؤدي الانفصال إلى التراجع عن الديمقراطية التي كانت تدعمها للولايات المتحدة .
4- كانت الولايات المتحدة تتخوف،في حال فشل الوحدة ، وهو ما كان يعني هزيمة لنظام الرئيس صالح ، أن يؤدي ذلك إلى تقوية الجماعات الأصولية ، إما بسبب انهيار نظام الرئيس صالح ،أو لحاجته الدائمة للتحالف مع تلك الجماعات في مواجهة الدولة المنفصلة .
هذا الموقف الأمريكي لم يتغير بعد  نشوب الحرب ، التي تصادف اندلاعها مع وجود مساعد وزير الخارجية لشئون المنطقة في صنعاء ، في زيارة للمنطقة . وظلت مواقف الولايات المتحدة منسجمة و الأسس أعلاه باستثناء حالات معينة كانت نتيجة لردود أفعال لإعمال حربية محدده  كمعارضتها لاقتحام عدن عسكريا" اثنا حصارها والمعاناة الناجمة عنها في أوساط المدنيين . فخلال تلك الفترة مارست الولايات المتحدة ضغوط شديدة على صنعا من أجل وقف الحرب وحملتها  مسئولية استمرارها *. وفي نفس السياق فقد كانت الولايات المتحدة تشدد من لهجتها تجاه صنعاء استجابة لرغبات حليفتها السعودية الرئيسية في المنطقة .
ـــــــــــــــــــــــ
* جريدة الحياة اللندنية تاريخ 18-6-1994م



ويمكن القول أن الموقف الأمريكي في مجملة قد خدم مصالح الحكومة في صنعاء التي لم تكن تطمح في الحصول على دعم أمريكي مادي أو عسكري ، فقد كان يكفيها أن تمتنع واشنطن عن دعم الانفصال وتمنع عنه الاعتراف الدولي وهو ما حدث فعلا" فبدون المعارضة الأمريكية كان من المتوقع أن تُقدم السعودية وبعض الدول في المنطقة على الاعتراف بالجنوب * وهو ما كان سيودي إلى زيادة في تعقيد المشكلة وأطاله أمد الحرب  .
ولا شك أن الموقف الأمريكي كان حاسما" ومهما" في تقرير نتائج الحرب . فبسبب ذلك الموقف تفادت الحكومة في صنعاء قرارات دولية تلزمها بوقف الحرب قبل تحقيق طموحاتها العسكرية . وفي نفس الوقت خففت بعض الدول من دعمها للجنوب استجابة لضغوط أمريكية . مما سهل على صنعاء الحسم العسكري السريع .
الموقف الفرنسي :
كان الموقف الفرنسي هو الاكثر وضوحا"، من بين الدول الكبرى ، في تأييده لاستمرار الوحدة ،ومعارضته للانفصال . فالحكومة الفرنسية كانت ترى بأن استمرار الوحدة يخدم الاستقرار في المنطقة . وأن الوحدة قد تمت بشكل سلمي وتم الاستفتاء عليها من مواطني الشمال والجنوب ، وأن فرنسا تعتقد أن الصراع يتم بين الفريقين الحاكمين في الدولتين السابقتين . كما وأن فرنسا كانت ترى في أن  إعلان الانفصال أثناء الحرب عملا" مرفوضا" ويجب على المجتمع الدولي أن يعارضه ، بسبب ما يحمله من مخاطر كبيرة على الاستقرار الدولي . فقد كانت فرنسا تخشى تكرار حالة الانفصال أثناء الحرب في مناطق أخرى من العالم خاصة منطقة البلقان ، كما صرح السفير الفرنسي في الأمم المتحدة **.
وقد عولت الحكومة في صنعاء على هذه الموقف الفرنسي  داخل مجلس الأمن ، مما وفر لها سندا" مهما" ، كانت في أمس الحاجة له ، من بين الدول دائمة العضوية دخل مجلس الأمن .

الموقف البريطاني :

اعتبر الموقف البريطاني أميل إلى تأييد الجنوبيين من بين الدول الكبرى . فبريطانيا ، وهي الدولة المستعمرة للجنوب سابقا" ، أبدت تعاطفا" مع الجنوبيين وكانت تصريحات مسئوليها تتسم بالقوة في نقد الشمال كما أنها جمدت المساعدات التي كانت تقدمها لليمن، والتي كانت تبلغ 2 مليون جنية إسترليني. غير أن بريطانيا لم يصل تأييدها إلى حد التلويح بالاعتراف بالجنوب وظلت تؤكد أن من مصلحة اليمن أن يبقى موحدا" وأنها لا تفكر  بتغيير ذلك الوضع.
ويمكن فهم الموقف البريطاني كنتيجة للتعاطف التي كانت تبديه لمستعمرتها السابقة وفي نفس الوقت مسايرة" للسعودية شريكتها التجارية المهمة في المنطقة .

وفي ختام الحديث عن موقف الدول الكبرى ، لا بد من الإشارة إلى موقف الدولتين الكبيرتين روسيا والصين والذي كان في مجملة مؤيدا" لاستمرار الوحدة .مع ملاحظة أن روسيا التي كانت غارقة في مشاكلها الداخلية ومشاكل البلقان، لم تهتم كثيرا" بما كان يجري في اليمن ، على الرغم من محاولتها التوسط بين أطراف النزاع بجمعها لمسئولين من الطرفين وقعا على اتفاق لإنهاء الأزمة برعاية روسية ، إلا أن هذا الاتفاق لم يرى النور مطلقا".

ــــــــــــــ

* وجهت الحكومة الأمريكية رسالة لدول الخليج مفادها ألا تتخذ أي أجرات تعرقل مهمة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة سوءا بالاعتراف أو غيرة . جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 9-6-1994م.
** أعلن ذلك السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة . جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 24-6-1994م.

المنظمات الإقليمية والدولية والحرب :

كانت الحكومة اليمنية في صنعاء ترغب في إبعاد المنظمات الإقليمية والدولية عن مناقشة الأوضاع في اليمن معتبرة أن مثل هذه المناقشة تدخلا"   في الشئون الداخلية لليمن . وهذه الرغبة كانت ناشئة من اعتقاد صنعاء بأن أي تدخل من جانب تلك المنظمات سيصبغ على النزاع صبغة دولية تؤدي إلى زيادة في تعقيد المشكلة وتسهل عملية الانفصال . غير أن هذه الرغبة لم تتحقق  بسبب التحركات التي قامت بها بعض الدول وعلى رأسها السعودية التي بادرت وتحركت عبر تلك المنظمات لممارسة مزيد من الضغط على صنعاء لوقف الحرب . ومن هذه المنظمات الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وقد تحددت ردود فعل هذه المنظمات على النحو التالي .

الأمم المتحدة :

لم  يصدر عن الأمم المتحدة أي رد فعل عما كان يجري في اليمن، حتى بادرت المملكة السعودية ، بعد إعلان الانفصال بأيام مطالبة بتدخل مجلس الأمن في النزاع ،  واستطاعت أن تقنع الدول الكبرى بوجوب صدور قرار عن المجلس حول هذا النزاع ، وهو ما تم فعلا" .  فقد صدر القرار رقم (921) الذي دعا إلى وقف إطلاق النار والى حظر إرسال الأسلحة للأطراف المتصارعة ، و كلف الأمين العام بإيفاد مبعوث عنة إلى المنطقة لتقصي الحقائق والبحث في آليات تطبيق ذلك القرار . وبالفعل فقد كلف الأمين العام الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي بالقيام بتلك المهمة حيث قام الأخير  بالاتصال بأطراف النزاع وقادة دول المنطقة . إلا أنه لم ينجح في تطبيق أهم فقرة في القرار وهي وقف إطلاق النار بسبب الخلاف الذي نشب بين أطراف النزاع حول آلية المراقبة والتحقق من تطبيق ذلك القرار . وبعد حوالي الشهر من صدور ذلك القرار اصدر مجلس الأمن قرار ثاني حمل الرقم (  931)  لم يختلف عن القرار السابق . مع ملاحظة أن القرارين لم يكونا بالشكل الذي كانت تريده السعودية إذ لم يشيرا إلى أي عقوبات محددة على الطرف الذي لا يلتزم بتنفيذ القرارات كما أن القرارين لم تدرج فقراتهما  تحت البند السابع ذي الطبيعة الإلزامية ،حسبما كانت تسعى له السعودية ، وعلى العموم فأن الدول الكبرى لم تكن مهتمة أو راغبة في التورط في الحرب في اليمن لشعورها أن تلك الحرب لم تكن بالخطورة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين ولا تحمل تهديدا" كبيرا" لمصالح تلك الدول .
ويبدو أن مجلس الأمن  لم يكن ليصدر تلك القرارات لو لم تسعى السعودية  لذلك . وهو ما ظهر جليا" عندما أغلقت الأمم المتحدة ملف اليمن بعد أيام قليلة على أنتها الحرب .

ثانيا" الجامعة العربية :

عند بداية الحرب تحركت الجامعة ودعت إلى مناقشة الآمر في اجتماع خاص  ، ألا أن الحكومة في صنعاء رفضت ذلك بشدة واتهمت الجامعة بالتدخل في شئونها الداخلية . وقد أدى ذلك إلى تراجع الجامعة بعض الشي عن مواقفها السابقة وفضلت أن يكون
تحركها أقل وأن يتم بالتنسيق مع أطراف النزاع . ولهذا الغرض أرسلت الجامعة وفودا" إلى اليمن ، اكتفوا بالذهاب إلى صنعاء ولم تتصل  بالطرف الآخر الذي لم يخفي اعتراضه على ذلك الموقف . ولم يصدر عن تلك الوفود أية قرارات ذات شان. وهو أمر متوقع من الجامعة التي تعاني من الضعف والتهميش من قبل أعضائها .

ثالثا" مجلس التعاون الخليجي :

اعتبرت بيانات مجلس التعاون الخليجي مؤيدة للجنوب ، وكأن من أهم تلك البيانات ما صدر عن اجتماع وزرا خارجية المجلس الذي انعقد في مدينة أبها السعودية ، والذي تضمن فقرات تشبه الاعتراف الضمني بالجنوب * . وقد كأن موقف المجلس متوقعا" بسبب أن كل دول المجلس كانت متعاطفة مع الجنوب ،  باستثناء دولة قطر ، كما أشير قبلا" .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*اصدر مجلس التعاون بيان حول اليمن قالت إحدى فقراته بأن الوحدة لا يمكن أن تستمر إلا برضا الطرفين وأن هناك واقع جديد يتمثل بأن أحد الأطراف أعلن عودته إلى وضعة السابق . هذا البيان نضر له بكونه اعتراف ضمني من قبل دول المجلس بالدولة المنفصلة في جنوب اليمن . انضر نص البيان في جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 6-6-1994م.






























أثر الدور الخارجي في النزاع

 

يمكن الإشارة إلى اثر الدور الخارجي في ثلاث قضايا ، قضية اندلاع الحرب ،وقضية إعلان الانفصال ، والنتيجة النهائية للحرب . فالتأثير الخارجي لم يكن متساويا" في كل تلك القضايا . ولتحديد حجم وطبيعة الدور الخارجي على كل قضية من تلك القضايا سوف استخدم المنهج لذي يقوم على أساس إخفاء  العنصر المراد معرفة أثرة وتحليل الأحداث بافتراض غياب ذلك العنصر  ، وبالتالي معرفة الصيرورة التي كانت ستسير عليها الأحداث في غيابه ، مما يجعلنا نتبين بوضوح اثر ذلك العنصر بموضوعية اكبر . وسنبدأ  هذا التحليل على موضوع اندلاع الحرب .

اثر ا الخارج على اندلاع الحرب :
كانت الحرب التي اندلعت في 1994 نهاية لسلسلة من الخلافات والأزمات السياسية التي عاشتها اليمن منذ توحيدها من نظامين متناقضين، خاضا صراعات متكررة في الفترة السابقة على الوحدة * . تزايدت حدتها بعد الوحدة . فعلى مدى أربع سنوات بعد الوحدة فشلت أطراف النزاع من الاتفاق على آليات سلمية لحل خلافاتهم وغابت كل المرجعيات بما فيها مرجعية التفويض الشعبي عبر الانتخابات. وحتى وثيقة (العهد والاتفاق ) التي تم التوصل لها عبر ممثلين لكل القوى السياسية ، لم يكن لها أي دور في تهدئة التوتر بل آدت عمليا" إلى تصعيده ، فعلى اثر توقيع الوثيقة مباشرة" اندلعت صد أمات مسلحة محدودة بين قوات الطرفين ، وسخنت الأجواء وراح كل طرف يحشد قواه لخوض الحرب التي باتت حتمية في ظل تلك الظروف . مما يعني أن الحرب كانت نتيجة طبيعية للعوامل الداخلية وظل دور الخارج،  هامشيا" فالحرب كانت ستندلع حتى لو افترضنا أن الدور الخارجي كان غائبا" تماما". لأنها كانت النتيجة الطبيعية والمتوقعة لصراع طويل على السلطة بين أطراف متناقضة المصالح والاتجاهات ، في بيئة يغلب عليها استخدام العنف لحل الخلافات السياسية .

الدور الخارجي في إعلان الانفصال :

أن إنشاء  كيان دولي جديد يتطلب اعتراف خارجي كي يتمتع بشرعية قانونية كاملة . هذه الحقيقة تجعل  قرار إعلان الانفصال قد تم ، بالضرورة ، أما لرغبة خارجية وإما ، في أقل تقدير بالتشاور مع أطراف خارجية . والأكثر ترجيحا" ، يشير إلى أن زعامة الحزب الاشتراكي ما كانت لتقدم على تلك الخطوة لو لم تكن قد حصلت على ضمانات خارجية تدعمها في اتخاذها . ومن خلال الوقائع، التي تلت عملية الانفصال ، يتبين أن السعودية ودول أخرى في المنطقة كانت تقف خلف العملية وأنها هي التي أقنعت زعماء الحزب الاشتراكي بأن الانفصال سيوفر ظروف افضل للتدخل الخارجي ، الذي كانوا  في حاجة ماسة إلية ، وأنه سيزيد من الضغط الخارجي على صنعاء لتوقف الحرب . كما أن التعيينات في القيادة الجنوبية ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*منذ استقلال اليمن الجنوبي عام 1967 كانت العلاقة بين شطري اليمن يشوبها التوتر وعدم الثقة ، وكانت تصل في بعض الأحيان إلى حد الحرب الشاملة كما حدث عامي 72،1979. كما أن حكومتي الشطرين كانت تحتضن وتدعم المعارضين للطرف الأخر .





التي تلت عملية الانفصال أكدت النفوذ السعودي بوضوح . فكثير من الشخصيات التي شملها التعيين كانت محسوبة ومعروفة بموالاتها للسعودية* ، ومعظمها كأن من خصوم الحزب الاشتراكي ، الذين  ما كان يمكن لهم الحصول على تلك المناصب لولا النفوذ السعودي .
ومن ناحية أخرى ، فأن التحرك السعودي في الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى قد آتى  عقب إعلان الانفصال مباشرة" . ولم يكن هذا التزامن محض صدفة .
وما يزيد من رجحان تأثير الخارج على قرار الانفصال غياب المبرر الداخلي . فالانفصال لم يكن مطلب شعبي ملح في الجنوب ، كما ادعى معلنيه  ، ولم يكن له أي قيمة عسكرية تذكر ، بل أنه قد أدى عمليا" إلى إضعاف الموقف العسكري لقوات الحزب الاشتراكي ، الذي لم تكن قياداته متفقة حوله . كما زاد إعلان الانفصال في المقابل  من قوة الجناح الآخر الذي استفاد منه  كثيرا"  بجعله الحرب اكثر مشروعية وأخلاقية كونها تهدف إلى الحفاظ على الوحدة الآمر الذي أدى إلى زيادة  تأييد الحرب داخليا" حتى من الأطراف المعارضة لحكم الرئيس صالح بمن فيهم أعضاء  الحزب الاشتراكي من الشماليين . وقد جعلت هذه النتائج من قرار الانفصال بمثابة انتحار سياسي في الداخل كما أنه لم يؤدي إلى تغيير حقيقي في الدعم الخارجي . فالأطراف الخارجية ، ومنها السعودية ، لم تعترف بالدولة الانفصالية ، كما أن دعمها للجنوب لم يكن  ليتغير كثيرا" في حال لم يتم الانفصال .
مما سبق نستطيع القول أن قرار الانفصال آتى برغبة وإرادة خارجية ، فهو لم يكن  ليتم لو افترضنا غياب العامل الخارجي .

اثر الدور الخارجي على تحديد نتيجة الحرب :

ظل العامل الخارجي محدودا" وغير فاعل في التأثير على سير المعارك ، إذ لم تتدخل أية قوات عسكرية خارجية غير يمنية فيها ، وحتى الأسلحة التي زودت بها القوات الجنوبية لم تغير كثيرا" في سير المعارك أما لأنها وصلت في مراحل متأخرة أو أنها لم تصل إلى أيدهم **. كما أن الدعم السياسي ،  لم يصل إلى حد الاعتراف بالانفصال ، كما أنه يصل إلى حد إجبار  صنعاء على وقف الحرب . فالأمور كانت ستسير كما سارت علية ، بتأثير خارجي أو بدونه ، والاختلاف كان في قضية الوقت الذي ستستغرقه المعارك في الوصول إلى تلك النتائج .
ولابد  قبل أن نختم هذا الجزء من ذكر الحقائق التالية :
1-  كانت السعودية هي الدولة الوحيدة التي كان لها مواقف محددة من الحرب ، بينما كانت مواقف الدول الأخرى متحركة وتتكيف حسب التطورات على الأرض . وقد اتضح ذلك بعد انتهاء الحرب حيث تعاملت كل الدول تقريبا" ، بما فيها دول الخليج التي دعمت الجنوب ،  وفقا" لما آلت آلية الوقائع  فأعادت علاقاتها مع الحكومة اليمنية إلى عهدها السابق تقريبا" ،باستثناء السعودية التي لم تتطبع علاقاتها بالحكومة اليمنية حتى الآن ، حيث لا زالت  تتهم من قبل  الحكومة اليمنية بدعم الجماعات الانفصالية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ضمت التعيينات في المناصب العليا في الدولة الانفصالية شخصيات تعتبر من القوى التي كانت السعودية تدعمها وكان بعضها يقيم في السعودية ومن أهم تلك الشخصيات عبد الرحمن الجفري الذي عين نائبا" للرئيس وعبد الله  ألا صنج الذي عين وزيرا" للخارجية وعبد القوي مكاوي الذي عين عضوا" في مجلس الرئاسة . والمعروف أن هذه الشخصيات عُرف عنها عدائها الشديد للحزب الاشتراكي والحكومة التي كان يسيطر عليها في جنوب اليمن قبل الوحدة ، ولهذا فأن إشراك الحزب لخصومة السياسيين لا بد أن يكون قد تم بفعل ضغوط سعودية .
**كانت تعاقدات الأسلحة التي أبرمت بين الجنوبيين والدول المصدرة تتم باسم وزارة دفاع الجمهورية اليمنية وعند أنتها الحرب كانت هناك بعض الأسلحة التي لم تصل إلى أيدي القوات الجنوبية . وتمكنت الحكومة اليمنية من استلامها من هذه الدول .

إلى جانب السعودية كان للولايات المتحدة الأمريكية دور مهم في تحديد نتائج الحرب فالمعارضة الأمريكية للانفصال افقده الاعتراف الدولي وأبعد عن الحكومة في صنعا مخاطر صدور قرارات ملزمة من مجلس الآمن كان من الممكن أن يكون لها اثأر كبيرة على مجريات الأمور  .
2-  من الممكن تقييم الأثر الخارجي بكونه قد أطال  زمن الحرب ، فبسبب قرارات مجلس الأمن وما تزامن معها من ضغوط دولية  لوقف إطلاق النار ، تأخر تقدم القوات التابعة للحكومة في صنعاء . مما أدى إلى إطالة أمد الحرب .
وهذا التقويم قد يتعارض كليا" مع تقويم آخر أجد من الضروري إيراده هنا ، ويتلخص في أن الدور الخارجي ، وبالذات ا لسعودي قد ساعد على حسم النتيجة لصالح جناح الرئيس صالح الذي استفاد من الدعم السعودي الواضح للانفصال في الحصول على دعم شعبي كبير لموقفة . فالسعودية في نظر معظم اليمنيين تعد دولة معادية لليمن وتتعارض  مصالحها معه  ، وبالتالي فأن أي تعاون معها من قبل أي طرف ينظر آلية على أنه شكل من أشكال الخيانة للمصالح العليا لليمن . هذه الرؤية ، أكانت حقيقية أم متوهمة ، ساهمت في تشكلها النخب السياسية اليمنية ، كلها تقريبا" ،وبشكل خاص نخبة الحزب الاشتراكي ، التي وجدت نفسها أيام الحرب وقد صارت مع السعودية في خندق واحد ، وهو ما أظهرها في نظر معظم اليمنيين  كأداة في يد السعودية ، الأمر الذي افقدها مصداقيتها واضعف بالتالي من حماس أنصارها  وقوى من موقف الطرف الآخر الذي ظهر اكثر وطنية كونه يحارب من أجل إفشال مؤامرة سعودية . مما سهل علية هزيمة الحزب الاشتراكي التي كانت تعني هزيمة الانفصال . والحقيقة أن الدعم السعودي للانفصال قد استفز مشاعر معظم اليمنيين ألا أن تحديد أثرة بدقة ليس بالأمر السهل .*


ــــــــــ
** ترى بعض التحليلات أن السعودية قد شاركت في مؤامرة من اجل القضاء على الحزب الاشتراكي وقواته ، التي تشكل  ، وفقا" لهذا التحليل ، خطرا" عليها في المنطقة ، ويسترسل أصحاب هذا التحليل بالقول أن العملية قد تمت بالاتفاق مع الطرف الأخر وأن عبد الرحمن الجفري، الذي عين نائبا" لرئيس مجلس الرئاسة في الدولة الانفصالية قد قام بدور المنفذ لها . وطبعا" فأن الوقائع والأحداث المصاحبة واللاحقة تتناقض مع هذا التحليل المشبع بنظرية المؤامرة الرائجة في الفكر السياسي العربي .



















تعامل الحكومة في صنعاء مع العالم الخارجي

أدركت الحكومة في صنعاء أن العامل الأساسي والجوهري في الحرب وتحديد نتائجها هو ما يحدث في ميدان المعركة ، وأن العالم الخارجي سيعترف بنتيجة الحرب كأمر واقع . كما أنها كانت متأكدة بأن الدعم الخارجي لخصومها لن يصل إلى حد الدعم العسكري المباشر . فالسعودية ودول الخليج الأخرى لم تكن قادرة ولا راغبة في أن ترسل قواتها إلى اليمن ، كما أن الدول الغربية كانت تعارض إرسال قوات دولية لحفظ السلام أو لفرضه ، فحرب اليمن لم تكن تمثل جزء" من الاهتمامات الرئيسية للدول الكبرى  كما أنها في نفس الوقت كانت تدرك صعوبة إرسال قوات لليمن بتضاريسها الوعرة وطبيعة شعبها الحربية.*
هذه المعطيات جعلت حكومة صنعاء تركز كل جهودها من أجل كسب الحرب ، وهو ما يتطلب الحصول على دعم داخلي فعال . ففي الأيام الأولى للحرب تمكنت القوات الموالية لحكومة صنعاء من أن تضمن سيطرتها على الوضع في الشمال ، بعد أن استطاعت هزيمة القوات التابعة للطرف الأخر، التي كانت تتمركز في تلك الأنحاء منذ الوحدة   ، واستطاعت كذلك أن تسيطر وتقمع كل القوى التي اشتبهت بأنها ستساند الحزب الاشتراكي . كما أنها وجهت ضربات عسكرية مهمة لخصومها  في وقت مبكر من الحرب ، عندما تمكنت قواتها من الالتحام بقوات العمالقة ، التابعة لها ، في محافظة أبين الجنوبية ، وهو ما أدى إلى أن تفصل المحافظات الجنوبية إلى قسمين ، وتجعل عدن ، عاصمة الجنوب ، تحت التهديد المباشر لقواتها . هذه النتائج العسكرية والتي نقلت ميدان المعركة إلى عمق الأراضي الجنوبية ،جعلت الشكوك تحيط بمستقبل الدولة التي أعلنت انفصالها  ، فمعظم دول العالم لم تكن لتغامر وتعترف بدولة معظم أراضيها لا تخضع لسيطرتها  ، وحكومتها مشتتة الأوصال : جزء منها في عدن والأخر في المكلا والجزء المتبقي في الخارج !  وفي هذه الأوضاع  راحت الحكومة الانفصالية  تراهن كثيرا" على الدعم الدولي لتحسين وضعها .
وعلى العكس من ذلك فقد ركزت الحكومة في صنعاء على الدعم الداخلي ، فتمكنت من الحصول على دعم شعبي ساحق في الشمال وقوى" لا باس بها في الجنوب وهو ما وفر لها غطا شرعي  لاستمرارية الحرب وحسمها .
هذه الظروف جعلت المسئولين في صنعاء يتعاملون بقدر كبير من التوازن والحكمة  مع العالم الخارجي ، مدركين في نفس الوقت انهم لا يمتلكون الحليف الخارجي القوي الذي سيساندهم في موقفهم حتى النهاية . باستثناء عدة دول في المنطقة كقطر والعراق والأردن والسودان وإريتريا وليبيا وإيران وهي  جميعها دول ضعيفة وبعضها محاصر ويُمنع التعامل معه دوليا" هذا بل إضافة إلى أن مجاهرة صنعاء بدعم تلك الدول كان يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية عليها . مما يجعل من دعمها لحكومة صنعاء محدودا". ثم أن دعم هذه الدول ومهما بلغ حجمه فأنه لن يكون بإمكانه مضاهاة  الدعم السعودي والخليجي لخصومها .
وحتى الموقف الأمريكي والفرنسي الذي بدأ وكأنه يدعم موقف صنعاء إلى حدا" ما ، فانه لم يكن ليصل إلى حد تقديم المساعدات المادية والعسكرية . فأقصى ما كانت تطمح له صنعاء من هاتين الدولتين هو الامتناع عن تأييد خصومها في الحصول على اعتراف دولي والضغط على دول الخليج كي تخفف من دعمها للجنوب . وهو ما لم تكن تضمنه في حال اتخذت الحرب مسارات أخرى وأصبحت مصالح هذه الدول في الخليج مهدده . فأهمية العلاقة مع اليمن بالنسبة لهاتين الدولتين لا تقارن بأهميتها مع السعودية ودول الخليج الأخرى .
ــــــــــــــــــــــــــــ
*انضر تصريح  دوجلاس هوج وزير الدولة للشئون الخارجية الذي أدلى به لصحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 17-6-1994م  قال فيه أن انه ليس واردا" إرسال قوات دولية لليمن وأضاف بأن كل الدول تعرف أن الطبيعة الجغرافية لليمن تجعل من الصعب عليها إرسال قوات إلى هناك . جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 17-6-1994م



وقد كانت الاستراتيجية اليمنية تتلخص في النقاط التالية .

1-  استخدام أقصى الطاقات الدبلوماسية في امتصاص الضغط الخارجي عبر الابتعاد، قدر الإمكان ، عن أي شكل من أشكال المواجهة مع العالم الخارجي ، مستفيدة" من أخطأ السياسية العراقية أبان أزمة وحرب الخليج الثانية ، التي كانت عالقة في الأذهان .
2-  الموافقة على قرارات مجلس الآمن حتى وأن كانت في غير صالحها لتجنب المزيد منها وتحاشي آية إجراءات عقابية ، مدركة في نفس الوقت أن إعلانها قبول قرارات مجلس الآمن لن يودي إلى تغيير يذكر للأمور على ساحات المعارك بسبب صعوبة التأكد من جهات محايدة عن الجهة المسئولة عن خرق قرارات وقف إطلاق النار .
3-  استمرار التواصل مع الدول التي كانت تدعم خصومها وتجنب التصريحات العلنية أو القيام بحملات إعلامية ضد هذه الدول ، فقد استمرت الاتصالات بين صنعاء وحكومات السعودية والإمارات ومصر طوال فترة الحرب ، وتجنب الأعلام الرسمي توجيه أي اتهامات لهذه الدول بشكل مباشر .
4-  استخدمت الحكومة في صنعاء قضية علاقاتها مع الإسلاميين ، التي كانت تُتهم به من قبل خصومها ، واستغلت هذه الورقة لصالحها ، فعن طريق الجناح المعتدل في السلطة تم إبلاغ الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة من أن نجاح الانفصال سيقوي من نفوذ هذه الجماعات من خلال استفادتها  من حالة الصراع والفوضى التي ستعقب حالة الانفصال  .
5-  استغلت صنعاء  تفوقها العسكري عبر التهديد بأنها ستنهي الانفصال بالقوة أن خطت الدول الأخرى خطوات نحو أي شكل من أشكال الاعتراف بالانفصال وهو ما جعل المندوب البريطاني في الأمم المتحدة يقول بأن من مصلحة دول العالم ألا تعترف بالدولة المنفصلة وأن تبقي استخدام هذه الورقة في الضغط على حكومة صنعاء *.
6-  تقديم مبادرات للخروج بحل للحرب عبر الاستمرار في الاتصال مع بعض قيادات الطرف الأخر . وكذلك طرح مبادرات لوضع آلية لمراقبة وقف إطلاق النار وقد هدفت من خلال تلك المبادرات كسب مزيد من الوقت والاستمرار في التقدم العسكري . فحتى الساعات الأخيرة للحرب كان ممثلو أطراف النزاع مجتمعين في نيويورك للاتفاق حول آلية لمراقبة وقف إطلاق النار.
وبهذه الخطوات تمكنت صنعاء إلى حد كبير من التقليل من التدخل الخارجي مما سهل لها  حسم الحرب لصالحها في فترة قصيرة نسبيا" . وأخيرا" فأن حرب اليمن ورغم امتداد أيادي بعض الأطراف الخارجية أليها .. لصالح هذا الطرف أو ذاك ،، فأن الجوهري فيها ، وما تمخض عنها من نتائج كأن يمنيا" .وقع في ميدان المعركة وتحدد فيها وليس في أذهان ورغبات الآخرين .

ــــــــــــــــــــ
* جريدة الحياة اللندنية تاريخ 24-6-1994م.













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استحالة الانفصال القانوني وصعوبة الانفصال الفعلي في جنوب اليمن

عبدالناصر المودع: استحالة الانفصال القانوني وصعوبات الانفصال الفعلي في جنوب اليمن تفكيك دولة قائمة عملية خطرة ومكلفة، إلا فيما ندر؛ فإي...